محمد حسين هيكل
188
حياة محمد ( ص )
السكك . إن مدينتنا يا رسول اللّه عذراء ما فضّت علينا قطّ ، وما دخل علينا عدوّ فيها إلا أصبناه ، وما خرجنا إلى عدوّ قطّ منها إلا أصاب منا ، فدعهم يا رسول اللّه وأطعني في هذا الأمر ؛ فإني ورثت هذا الرأي عن أكابر قومي وأهل الرأي منهم » . والقائلون بالخروج للقاء العدو وكان كلام ابن أبيّ هذا هو رأي الأكابر من أصحاب الرسول من المهاجرين ومن الأنصار ، كما كان رأي الرسول عليه السلام . لكن فتيانا ذوي حميّة لم يشهدوا بدرا ، ورجالا شهدوها وأمتعهم اللّه بالنصر فيها وملأ الإيمان قلوبهم أن ليس لقوّة أن تغالبهم أو تتغلّب عليهم ، أحبّوا الخروج إلى العدوّ وملاقاته حيث نزل ، مخافة أن يظن أنهم كرهوا الخروج وتحصّنوا بالمدينة جبنا عن لقائه . ثم إنهم إلى جانب المدينة وعلى مقربة منها أقوى منهم يوم كانوا ببدر لا يعرف أهلوهم من أمرهم شيئا . قال قائل منهم : « إني لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها فتكون هذه مجرّئة لقريش . وها هم هؤلاء قد وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن عرضنا « 1 » لم يزرع ، وإن قريشا قد مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب من بواديها ومن تبعها من أحابيشها ، ثم جاؤنا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا أفيحبسوننا في بيوتنا وصياصينا ، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا ! لئن فعلنا لازدادوا جرأة ، ولشنوا الغارات علينا وأصابوا من أطرافنا ، ووضعوا العيون والأرصاد على مدينتنا ، ثم لقطعوا الطريق علينا » . وتعاقب الدّعاة إلى الخروج يتحدّث كلّ حديثه ، ويذكرون جميعا أنهم إذا أظفرهم اللّه بعدوهم فذلك الذي أرادوا ، وذلك الذي وعد اللّه ورسوله بالحق ، وإن هم انهزموا واستشهدوا كانت لهم الجنة . وهز حديث الشجاعة وحديث الاستشهاد القلوب ، واستنفر روح الجماعة الأنفس لتجري كلها في هذا التيار ، ولتتحدث كلها على هذه النغمة ، فلم يبق تلك اللحظة أمام الجمع الماثل في حضرة محمد الممتلئ القلب بالإيمان باللّه ورسوله وكتابه وحسابه ، إلا صورة الظفر بهذا العدوّ المعتدي تفرّقه سيوفهم أيدي سبا ، ويبعثه بأسهم بددا شذر مذر ، وتستولي أيديهم على مغانمه ومحارمه ، وصورة الجنة أعدّت للذين قتلوا في سبيل اللّه ، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين يلقون فيها أحبتهم الذين شهدوا بدرا واستشهدوا فيها ، ( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً . إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً ) « 2 » . قال خيثمة أبو سعد بن خيثمة : « عسى اللّه أن يظفرنا بهم أو تكون الآخرى فهي الشهادة . لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت عليها حريصا ، حتى بلغ من حرصي عليها أن ساهمت ابني في الخروج ، فخرج سهمه فرزق الشهادة . وقد رأيت ابني البارحة في النوم وهو يقول : الحق بنا ترافقنا في الجنّة ، فقد وجدت ما وعدني ربي حقّا . وقد واللّه يا رسول اللّه أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنّة ؛ وقد كبرت سنّي ورقّ عظمي وأحببت لقاء ربي » فلمّا ظهرت الكثرة واضحة في جانب الذين يقولون بالخروج إلى العدوّ وملاقاته قال لهم محمد : إني أخاف عليكم الهزيمة ؛ فأبوا مع ذلك إلا الخروج . فلم يكن له إلا أن ينزل على رأيهم . وقد كانت الشورى أساس نظامه لهذه الحياة ، فلم يكن يتفرد بأمر إلا ما أوحي إليه من عند اللّه . وكان اليوم يوم جمعة ، فصلّى النبيّ بالناس ، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا ، وأمرهم بالتهيؤ لعدّوهم . ودخل محمد بيته بعد صلاة العصر ودخل معه أبو بكر وعمر فعمماه وألبساه درعه وتقلّد سيفه ،
--> ( 1 ) العرض ( بكسر العين وسكون الراء ) : هنا كل واد فيه شجر . ( 2 ) سورة الواقعة آيتا 25 ، 26 .